Aujourd'hui, Horaire de prière à (Angers)

samedi 1 juin 2019

تدبر القرآن - الشيخ محمد الغزالي



القراءة دون وعى علة أصيب بها المسلمون من قديم، جعلت صلتهم بالوحى الإلهى سطحية عقيمة، فهم يكتفون بتلاوة الآيات أو بسماعها، وقد تومض فى أذهانهم بعض الهدايات، ثم تنطفئ على عجل أو مهل قبل أن تملأ النفس بسناها العميم!.

والعامة تحسب أن التلاوة الحرفية لها سر مغيب قد يغني عن التدبر والتأمل!

وقد لفت نظرى أن السورة التى شاع أن تقرأ على الموتى، أو على المحتضرين تضمنت هذا النص: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}، كما أن الله سبحانه وصف عباده الذين يشرفون بالانتماء إليه فقال بعد عدة أوصاف رفيعة: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}.

إن السماع دون فهم، والنظر دون روية، أمراض تمحق المواهب البشرية، وتجعل المرء شبحا لا روحا، والأشباح لا تصنع شيئا فى دنيا الناس، ولا يرتقى بها شعب من العالم الثالث إلى العالم الثانى بل الأول..

وقد تتبعت كلمة التلاوة فى آيات قرآنية كثيرة، فوجدتها تعنى عرض الرسالة الخاتمة، وبيان معالمها العامة، وإعطاء صورة مجملة للقضايا والأهداف، أى ما يسمى فى عصرنا بدليل الحركة أو منهاج العمل! ثم تكون بعد ذلك الدراسة، والتدبر، والتعليم.

قال تعالى: {كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ…}، وقال على لسان نبيه: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ…}.

والآيات كثيرة فى أن التلاوة مفتاح الاطلاع على ما أودع الله كتابه من حق ونور، فكيف تتحول إلى ترانيم وترديد ألفاظ مع قصور إدراك؟.

صحيح أن لألفاظ القرآن قداستها، ذلك لأن الله سبحانه أراد أن يحصّن القرآن ضد ما أصاب الصحف الأولى، فإن الاستهانة بالألفاظ من خلال الرواية بالمعنى، والنقل بالترجمة أضاع الحقيقة ذاتها شكلا وموضوعا، ولم يبق من تراث النبيين الأولين ما يصدق عليه عنوان الوحى.

من أجل ذلك كان الحرص الشديد على ألفاظ القرآن، وجعل تردادها طاعة مأجورة!

لكن ذلك لا يقلب الأوضاع. فإن الجواهر النفيسة توضع فى علب فاخرة، ويعتنى بالعلبة اعتناء خاصا. فهل تساوى العلبة شيئا طائلا إذا سرقت الجوهرة منها؟

وهل تنتفع بالقرآن إذا جودت أحرفه ونسيت معناه، لأن الشيطان سرق عقلك وأنت تتلو…؟ {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}؟

من كتابه : الحق المريح