Aujourd'hui, Horaire de prière à (Angers)

mardi 21 mai 2019

اشتمال الفاتحة على أمهات المطالب لابن القيم في كتابه مدارج السالكين

اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن.

فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء، مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها، وهي: الله، والرب، والرحمن، وبنيت السورة على الإلهية، والربوبية، والرحمة، ف {إياك نعبد} [الفاتحة: ٥] مبني على الإلهية، {إياك نستعين} [الفاتحة: ٥] على الربوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة، والحمد يتضمن الأمور الثلاثة، فهو المحمود في إلهيته، وربوبيته، ورحمته، والثناء والمجد كمالان لجده.
وتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، حسنها وسيئها، وتفرد الرب تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل، وكل هذا تحت قوله {مالك يوم الدين} [الفاتحة: ٤] .
وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة:
أحدها: كونه رب العالمين، فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملا لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما، فهذا هضم للربوبية، ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به، وما قدره حق قدره من نسبه إليه. 
الثاني: أخذها من اسم الله، وهو المألوه المعبود، ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله.

الموضع الثالث: من اسمه الرحمن فإن رحمته تمنع إهمال عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، فمن أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرا وراء ذلك.

الموضع الرابع: من ذكر يوم الدين فإنه اليوم الذي يدين الله العباد فيه بأعمالهم، فيثيبهم على الخيرات، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات، وما كان الله ليعذب أحدا قبل إقامة الحجة عليه، والحجة إنما قامت برسله وكتبه، وبهم استحق الثواب والعقاب، وبهم قام سوق يوم الدين، وسيق الأبرار إلى النعيم، والفجار إلى الجحيم.
الموضع الخامس: من قوله {إياك نعبد} [الفاتحة: ٥] فإن ما يعبد به الرب تعالى لا يكون إلا على ما يحبه ويرضاه، وعبادته وهي شكره وحبه وخشيته فطري ومعقول للعقول السليمة، لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسله وبيانهم، وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول، يستحيل تعطيل العالم عنه، كما يستحيل تعطيله عن الصانع، فمن أنكر الرسول فقد أنكر المرسل ولم يؤمن به، ولهذا جعل الله سبحانه الكفر برسله كفرا به.
الموضع السادس: من قوله {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: ٦] فالهداية: هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل، فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق، وجعل الإيمان في القلب، وتحبيبه إليه، وتزيينه في القلب، وجعله مؤثرا له، راضيا به، راغبا فيه.
وهما هدايتان مستقلتان، لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلا وإجمالا، وإلهامنا له، وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرا وباطنا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة.
ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة، وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين، فكيف نسأل الهداية؟ فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والوئام.
وللهداية مرتبة أخرى وهي آخر مراتبها وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة، وهو الصراط الموصل إليها، فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المخدوش المسلم، ومنهم المكردس في النار، فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذة بالقذة، جزاء وفاقا {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل: ٩٠] .
ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم، فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه، فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: ٤٦] .
فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير، والسلامة من كل شر.
الموضع السابع: من معرفة نفس المسئول، وهو الصراط المستقيم ولا تكون الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والقرب، وسعته للمارين عليه، وتعينه طريقا للمقصود، ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة. فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه، لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل بين نقطتين، وكلما تعوج طال وبعد، واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود، ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته، وإضافته إلى المنعم عليهم ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقا.
والصراط تارة يضاف إلى الله، إذ هو الذي شرعه ونصبه، كقوله تعالى {وأن هذا صراطي مستقيما} [الأنعام: ١٥٣] وقوله {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله} [الشورى: ٥٢] وتارة يضاف إلى العباد كما في الفاتحة، لكونهم أهل سلوكه، وهو المنسوب لهم، وهم المارون عليه.
الموضع الثامن: من ذكر المنعم عليهم، وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال.
فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة، لأن العبد إما أن يكون عالما بالحق، وإما جاهلا به، والعالم بالحق إما أن يكون عاملا بموجبه أو مخالفا له، فهذه أقسام المكلفين لا يخرجون عنها البتة، فالعالم بالحق العامل به هو المنعم عليه، وهو الذي زكى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو المفلح {قد أفلح من زكاها} [الشمس: ٩] والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه، والجاهل بالحق هو الضال، والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكل منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به، ومن هنا كان اليهود أحق به، وهو متغلظ في حقهم، كقوله تعالى في حقهم {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب} [البقرة: ٩٠] وقال تعالى {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} [المائدة: ٦٠] والجاهل بالحق أحق باسم الضلال، ومن هنا وصفت النصارى به في قوله تعالى {قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: ٧٧] فالأولى في سياق الخطاب مع اليهود، والثانية في سياقه مع النصارى، وفي الترمذي وصحيح ابن حبان من حديث عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» .
ففي ذكر المنعم عليهم وهم من عرف الحق واتبعه والمغضوب عليهم وهم من عرفه واتبع هواه والضالين وهم من جهله ما يستلزم ثبوت الرسالة والنبوة، لأن انقسام الناس إلى ذلك هو الواقع المشهود، وهذه القسمة إنما أوجبها ثبوت الرسالة.
وأضاف النعمة إليه، وحذف فاعل الغضب لوجوه:
منها: أن النعمة هي الخير والفضل، والغضب من باب الانتقام والعدل، والرحمة تغلب الغضب، فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين، وأسبقهما وأقواهما، وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إليه، وحذف الفاعل في مقابلتهما، كقول مؤمني الجن {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: ١٠] ومنه قول الخضر في شأن الجدار واليتيمين {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما} [الكهف: ٨٢] وقال في خرق السفينة {فأردت أن أعيبها} [الكهف: ٧٩] ثم قال بعد ذلك {وما فعلته عن أمري} [الكهف: ٨٢] وتأمل قوله تعالى {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: ١٨٧] وقوله {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: ٣] وقوله {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: ٢٣] ثم قال {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: ٢٤] . 

وفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم، وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر، فكل الخلق في نعمة، وهذا فصل النزاع في مسألة: هل لله على الكافر من نعمة أم لا؟ .

فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر، كما قال تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم: ٣٤] .

والنعمة من جنس الإحسان، بل هي الإحسان، والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر، والمؤمن والكافر.
وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون.
الوجه الثاني: أن الله سبحانه هو المنفرد بالنعم {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: ٥٣] فأضيف إليه ما هو منفرد به، وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقا ومجرى للنعمة، وأما الغضب على أعدائه فلا يختص به تعالى، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه، فكان في لفظة " {المغضوب عليهم} [الفاتحة: ٧] " بموافقة أوليائه له من الدلالة على تفرده بالإنعام، وأن النعمة المطلقة منه وحده، هو المنفرد بها ما ليس في لفظة " المنعم عليهم ".
الوجه الثالث: أن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه، وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذكر فاعل النعمة من إكرام المنعم عليه والإشادة بذكره، ورفع قدره ما ليس في حذفه، فإذا رأيت من قد أكرمه ملك وشرفه ورفع قدره، فقلت: هذا الذي أكرمه السلطان، وخلع عليه وأعطاه ما تمناه، كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك: هذا الذي أكرم وخلع عليه وشرف وأعطي.
وتأمل سرا بديعا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره، فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح، وهي الهدى ودين الحق، ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء، فهذا تمام النعمة، ولفظ " {أنعمت عليهم} [الفاتحة: ٧] " يتضمن الأمرين.
وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضا أمرين: الجزاء بالغضب الذي موجبه غاية العذاب والهوان، والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه، فإنه أرحم وأرأف من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال، فكأن الغضب عليهم مستلزم لضلالهم، وذكر الضالين مستلزم لغضبه عليهم وعقابه لهم، فإن من ضل استحق العقوبة التي هي موجب ضلاله وغضب الله عليه.
فاستلزم وصف كل واحد من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبين استلزام، واقتضاه أكمل اقتضاء في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة، مع ذكر الفاعل في أهل السعادة، وحذفه في أهل الغضب، وإسناد الفعل إلى السبب في أهل الضلال.
وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة، والغضب والضلال، فذكر المغضوب عليهم والضالين في مقابلة المهتدين المنعم عليهم، وهذا كثير في القرآن، يقرن بين الضلال والشقاء، وبين الهدى والفلاح، فالثاني كقوله {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: ٥] وقوله {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: ٨٢] والأول كقوله تعالى {إن المجرمين في ضلال وسعر} [القمر: ٤٧] وقوله {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} [البقرة: ٧] وقد جمع سبحانه بين الأمور الأربعة في قوله {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه: ١٢٣] فهذا الهدى والسعادة، ثم قال {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه: ١٢٤] فذكر الضلال والشقاء.
فالهدى والسعادة متلازمان، والضلال والشقاء متلازمان.


[فصل الصراط المستقيم]

فصل

وذكر الصراط المستقيم مفردا معرفا تعريفين: تعريفا باللام، وتعريفا بالإضافة، وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها، كقوله {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: ١٥٣] فوحد لفظ الصراط وسبيله، وجمع السبل المخالفة له، «وقال ابن مسعود خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: ١٥٣] » وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله، قال الله تعالى {هذا صراط علي مستقيم} [الحجر: ٤١] قال الحسن: معناه صراط إلي مستقيم، وهذا يحتمل أمرين: أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض، فقامت أداة " على " مقام " إلى "، والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى، وهو الأشبه بطريق السلف، أي صراط موصل إلي، وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرج على شيء، وهذا مثل قول 

الحسن وأبين منه، وهو من أصح ما قيل في الآية، وقيل: علي فيه للوجوب، أي علي بيانه وتعريفه والدلالة عليه، والقولان نظير القولين في آية النحل، وهي {وعلى الله قصد السبيل} [النحل: ٩] والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر: أن السبيل القاصد وهو المستقيم المعتدل يرجع إلى الله، ويوصل إليه، قال طفيل الغنوي:

مضوا سلفا قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تشقلب
أي ممرنا عليهم، وإليهم وصولنا، وقال الآخر:
فهن المنايا أي واد سلكته ... عليها طريقي أو علي طريقها
فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة إلى التي هي للانتهاء، لا أداة على التي هي للوجوب، ألا ترى أنه لما أراد الوصول قال {إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم} [الغاشية: ٢٥] وقال {إلينا مرجعهم} [يونس: ٧٠] وقال {ثم إلى ربهم مرجعهم} [الأنعام: ١٠٨] وقال لما أراد الوجوب {ثم إن علينا حسابهم} [الغاشية: ٢٦] وقال {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: ١٧] وقال {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: ٦] ونظائر ذلك.
قيل: في أداة على سر لطيف، وهو الإشعار بكون السالك على هذا الصراط على هدى، وهو حق، كما قال في حق المؤمنين {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: ٥] وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} [النمل: ٧٩] والله عز وجل هو الحق، وصراطه حق، ودينه حق، فمن استقام على صراطه فهو على الحق والهدى، فكان في أداة " على " على هذا المعنى ما ليس في أداة إلى فتأمله، فإنه سر بديع.

فإن قلت: فما الفائدة في ذكر على في ذلك أيضا؟ وكيف يكون المؤمن مستعليا على الحق، وعلى الهدى؟ قلت: لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى، مع ثباته عليه، واستقامته إليه، فكان في الإتيان بأداة " على " ما يدل على علوه وثبوته واستقامته، وهذا بخلاف الضلال والريب، فإنه يؤتى فيه بأداة " في " الدالة على انغماس صاحبه، وانقماعه وتدسسه فيه، كقوله تعالى {فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: ٤٥] وقوله {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات} [الأنعام: ٣٩] وقوله {فذرهم في غمرتهم حتى حين} [المؤمنون: ٥٤] وقوله {وإنهم لفي شك منه مريب} [هود: ١١٠] .

وتأمل قوله تعالى {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: ٢٤] فإن طريق الحق تأخذ علوا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير، وطريق الضلال تأخذ سفلا، هاوية بسالكها في أسفل سافلين.

وفي قوله تعالى {قال هذا صراط علي مستقيم} [الحجر: ٤١] قول ثالث، وهو قول الكسائي إنه على التهديد والوعيد، نظير قوله {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: ١٤] كما قال: تقول طريقك علي، وممرك علي، لمن تريد إعلامه بأنه غير فائت لك، ولا معجز، والسياق يأبى هذا، ولا يناسبه لمن تأمله، فإنه قاله مجيبا لإبليس الذي قال {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: ٨٢] فإنه لا سبيل لي إلى إغوائهم، ولا طريق لي عليهم.
فقرر الله عز وجل ذلك أتم التقرير، وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم، فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط، لأنه صراط علي، ولا سبيل لإبليس إلى هذا الصراط، ولا الحوم حول ساحته، فإنه محروس محفوظ بالله، فلا يصل عدو الله إلى أهله.
فليتأمل العارف هذا الموضع حق التأمل، ولينظر إلى هذا المعنى، ويوازن بينه وبين القولين الآخرين، أيهما أليق بالآيتين، وأقرب إلى مقصود القرآن وأقوال السلف؟ .
وأما تشبيه الكسائي له بقوله {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: ١٤] فلا يخفى الفرق بينهما سياقا ودلالة، فتأمله، ولا يقال في التهديد: هذا طريق مستقيم علي، لمن لا يسلكه، وليست سبيل المهدد مستقيمة، فهو غير مهدد بصراط الله المستقيم، وسبيله التي هو عليها ليست مستقيمة على الله، فلا يستقيم هذا القول البتة.
وأما من فسره بالوجوب، أي علي بيان استقامته والدلالة عليه، فالمعنى صحيح، لكن في كونه هو المراد بالآية نظر، لأنه حذف في غير موضع الدلالة، ولم يؤلف الحذف المذكور ليكون مدلولا عليه إذا حذف، بخلاف عامل الظرف إذا وقع صفة فإنه حذف مألوف معروف، حتى إنه لا يذكر البتة، فإذا قلت: له درهم علي، كان الحذف معروفا مألوفا، فلو أردت: علي نقده، أو علي وزنه وحفظه، ونحو ذلك وحذفت لم يسغ، وهو نظير: علي بيانه المقدر في الآية، مع أن الذي قاله السلف أليق بالسياق، وأجل المعنيين وأكبرهما.
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية رضي الله عنه يقول: وهما نظير قوله تعالى {إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى} [الليل: ١٢] قال: فهذه ثلاثة مواضع في القرآن في هذا المعنى.
قلت: وأكثر المفسرين لم يذكر في سورة " {والليل إذا يغشى} [الليل: ١] " إلا معنى الوجوب، أي علينا بيان الهدى من الضلال، ومنهم من لم يذكر في سورة النحل إلا هذا المعنى كالبغوي، وذكر في الحجر الأقوال الثلاثة، وذكر الواحدي في بسيطه المعنيين في سورة النحل، واختار شيخنا قول مجاهد والحسن في السور الثلاث.


[فصل الصراط المستقيم هو صراط الله]

فصل

والصراط المستقيم: هو صراط الله، وهو يخبر أن الصراط عليه سبحانه كما ذكرنا، ويخبر أنه سبحانه على الصراط المستقيم، وهذا في موضعين من القرآن: في هود، والنحل، قال في هود {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: ٥٦] وقال في النحل {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} [النحل: ٧٦] فهذا مثل ضربه الله للأصنام التي لا تسمع، ولا تنطق ولا تعقل، وهي كل على عابدها، يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده، ويضعه ويقيمه ويخدمه، فكيف يسوونه في العادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد؟ وهو قادر متكلم، غني، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، فقوله صدق ورشد ونصح وهدى، وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة، هذا أصح الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره، ومن ذكر غيره قدمه على الأقوال، ثم حكاها بعده كما فعل البغوي، فإنه جزم به، وجعله تفسير الآية، ثم قال: وقال الكلبي: يدلكم على صراط مستقيم.
قلت: ودلالته لنا على الصراط هي من موجب كونه سبحانه على الصراط المستقيم، فإن دلالته بفعله وقوله، وهو على الصراط المستقيم في أفعاله وأقواله، فلا يناقض قول من قال: إنه سبحانه على الصراط المستقيم.
قال: وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم.
قلت: وهذا حق لا يناقض القول الأول، فالله على الصراط المستقيم، ورسوله عليه، فإنه لا يأمر ولا يفعل إلا مقتضاه وموجبه، وعلى هذا يكون المثل مضروبا لإمام الكفار وهاديهم، وهو الصنم الذي هو أبكم، لا يقدر على هدى ولا خير، ولإمام الأبرار، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم.
وعلى القول الأول: يكون مضروبا لمعبود الكفار ومعبود الأبرار، والقولان متلازمان، فبعضهم ذكر هذا، وبعضهم ذكر هذا، وكلاهما مراد من الآية، قال، وقيل: كلاهما للمؤمن والكافر، يرويه عطية عن ابن عباس، وقال عطاء: الأبكم أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل: حمزة وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون.
قلت: والآية تحتمله، ولا يناقض القولين قبله، فإن الله على صراط مستقيم، ورسوله وأتباع رسوله، وضد ذلك: معبود الكفار وهاديهم، والكافر التابع والمتبوع والمعبود، فيكون بعض السلف ذكر أعلى الأنواع، وبعضهم ذكر الهادي، وبعضهم ذكر المستجيب القابل، وتكون الآية متناولة لذلك كله، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن.
وأما آية هود: فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدا، وهو أن الله سبحانه على صراط مستقيم، وهو سبحانه أحق من كان على صراط مستقيم، فإن أقواله كلها صدق ورشد وهدى وعدل وحكمة {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: ١١٥] وأفعاله كلها مصالح وحكم، ورحمة وعدل وخير، فالشر لا يدخل في أفعال من هو على الصراط المستقيم، أو أقواله، وإنما يدخل في أفعال من خرج عنه وفي أقواله.
وفي دعائه عليه الصلاة والسلام «لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك» ولا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله: والشر لا يتقرب به إليك، أو لا يصعد إليك، فإن المعنى أجل من ذلك، وأكبر وأعظم قدرا، فإن من أسماؤه كلها حسنى، وأوصافه كلها كمال، وأفعاله كلها كمال، وأقواله كلها صدق وعدل يستحيل دخول الشر في أسمائه أو أوصافه، أو أفعاله أو أقواله، فطابق بين هذا المعنى وبين قوله {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: ٥٦] وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله {إني توكلت على الله ربي وربكم} [هود: ٥٦] أي هو ربي، فلا يسلمني ولا يضيعني، وهو ربكم فلا يسلطكم علي ولا يمكنكم مني، فإن نواصيكم بيده، لا تفعلون شيئا بدون مشيئته، فإن ناصية كل دابة بيده، لا يمكنها أن تتحرك إلا بإذنه، فهو المتصرف فيها، ومع هذا فهو في تصرفه فيها وتحريكه لها، ونفوذ قضائه وقدره فيها على صراط مستقيم، لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة وعدل ومصلحة، ولو سلطكم علي فله من الحكمة في ذلك ما له الحمد عليه، لأنه تسليط من هو على صراط مستقيم، لا يظلم ولا يفعل شيئا عبثا بغير حكمة.
فهكذا تكون المعرفة بالله، لا معرفة القدرية المجوسية، والقدرية الجبرية، نفاة الحكم والمصالح والتعليل، والله الموفق سبحانه.


[فصل رفيق طالب الصراط المستقيم هم الذين أنعم الله عليهم]

فصل

ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه، مريدا لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى الأنس بالرفيق، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم الذين {أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: ٦٩] فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرا، وإن كانوا الأكثرين عددا، كما قال بعض السلف: " عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين "، وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغض الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم، فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك.
وقد ضربت لذلك مثلين، فليكونا منك على بال:
المثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة، لا يريد غيرها، فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلاما يؤذيه، فوقف ورد عليه، وتماسكا، فربما كان شيطان الإنس أقوى منه، فقهره، ومنعه عن الوصول إلى المسجد، حتى فاتته الصلاة، وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة، فإن التفت إليه أطمعه في نفسه، وربما فترت عزيمته، فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز بقدر التفاته أو أكثر، فإن أعرض عنه واشتغل لما هو بصدده، وخاف فوت الصلاة أو الوقت لم يبلغ عدوه منه ما شاء.
المثل الثاني: الظبي أشد سعيا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه، فيدركه الكلب فيأخذه.
والقصد: أن في ذكر هذا الرفيق ما يزيل وحشة التفرد، ويحث على السير والتشمير للحاق بهم.
وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت " «اللهم اهدني فيمن هديت» " أي أدخلني في هذه الزمرة، واجعلني رفيقا لهم ومعهم.
والفائدة الثانية: أنه توسل إلى الله بنعمه وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية أي قد أنعمت بالهداية على من هديت، وكان ذلك نعمة منك، فاجعل لي نصيبا من هذه النعمة، واجعلني واحدا من هؤلاء المنعم عليهم، فهو توسل إلى الله بإحسانه. والفائدة الثالثة: كما يقول السائل للكريم: تصدق علي في جملة من تصدقت عليهم، وعلمني في جملة من علمته، وأحسن إلي في جملة من شملته بإحسانك.


[فصل علم الله عباده كيفية سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم]

فصل

ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب: علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه، وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء، ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم اللذين رواهما ابن حبان في صحيحه، والإمام أحمد والترمذي.
أحدهما: حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو، ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فقال: والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» قال الترمذي: حديث صحيح.
فهذا توسل إلى الله بتوحيده، وشهادة الداعي له بالوحدانية، وثبوت صفاته المدلول عليها باسم الصمد وهو كما قال ابن عباس: " العالم الذي كمل علمه، القادر الذي كملت قدرته "، وفي رواية عنه: " هو السيد الذي قد كمل فيه جميع أنواع السؤدد "، وقال أبو وائل: " هو السيد الذي انتهى سؤدده "، وقال سعيد بن جبير: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وأقواله، وبنفي التشبيه والتمثيل عنه بقوله " {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: ٤] " وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة، والتوسل بالإيمان بذلك، والشهادة به هو الاسم الأعظم.
والثاني: حديث أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم» فهذا توسل إليه بأسمائه وصفاته. وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين، وهما التوسل بالحمد، والثناء عليه وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب، وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة.
ونظير هذا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به إذا قام يصلي من الليل، رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس «اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، ولك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت» فذكر التوسل إليه بحمده والثناء عليه وبعبوديته له، ثم سأله المغفرة.


[فصل اشتمال الفاتحة على أنواع التوحيد]

فصل

اشتمال الفاتحة على أنواع التوحيد
في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي، لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني أيضا نوعان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية، فهذه ثلاثة أنواع.
فأما توحيد العلم: فمداره على إثبات صفات الكمال، وعلى نفي التشبيه والمثال، والتنزيه عن العيوب والنقائص، وقد دل على هذا شيئان: مجمل، ومفصل.
أما المجمل: فإثبات الحمد له سبحانه، وأما المفصل: فذكر صفة الإلهية والربوبية، والرحمة والملك، وعلى هذه الأربع مدار الأسماء والصفات.
فأما تضمن الحمد لذلك: فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله، مع محبته والرضا عنه، والخضوع له، فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له، وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها، ولهذا كان الحمد كله لله حمدا لا يحصيه سواه، لكمال صفاته وكثرتها، ولأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، لما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه، ولهذا ذم الله تعالى آلهة الكفار، وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها، فعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تتكلم ولا تهدي، ولا تنفع ولا تضر، وهذه صفة إله الجهمية، التي عاب بها الأصنام، نسبوها إليه، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام في محاجته لأبيه {ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} [مريم: ٤٢] فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر: وأنت إلهك بهذه المثابة، فكيف تنكر علي؟ لكن كان مع شركه أعرف بالله من الجهمية، وكذلك كفار قريش كانوا مع شركهم مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه، وقال تعالى {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} [الأعراف: ١٤٨] فلو كان إله الخلق سبحانه كذلك لم يكن في هذا إنكار عليهم، واستدلال على بطلان الإلهية بذلك.
فإن قيل: فالله تعالى لا يكلم عباده. قيل: بلى، قد كلمهم، فمنهم من كلمه الله من وراء حجاب، منه إليه بلا واسطة كموسى، ومنهم من كلمه الله على لسان رسوله الملكي، وهم الأنبياء، وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله، فأنزل عليهم كلامه الذي بلغته رسله عنه، وقالوا لهم: هذا كلام الله الذي تكلم به، وأمرنا بتبليغه إليكم، ومن هاهنا قال السلف: من أنكر كون الله متكلما فقد أنكر رسالة الرسل كلهم، لأن حقيقتها تبليغ كلامه الذي تكلم به إلى عباده، فإذا انتفى كلامه انتفت الرسالة، وقال تعالى في سورة طه عن السامري {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه: ٨٨] ورجع القول: هو التكلم والتكليم، وقال تعالى {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} [النحل: ٧٦] فجعل نفي صفة الكلام موجبا لبطلان الإلهية، وهذا أمر معلوم بالفطر والعقول السليمة والكتب السماوية: أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلها، ولا مدبرا، ولا ربا، بل هو مذموم، معيب ناقص، ليس له الحمد، لا في الأولى، ولا في الآخرة، وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال، ونعوت الجلال، التي لأجلها استحق الحمد، ولهذا سمى السلف كتبهم التي صنفوها في السنة وإثبات صفات الرب وعلوه على خلقه وكلامه وتكليمه توحيدا، لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع وجحد له، وإنما توحيده: إثبات صفات كماله، وتنزيهه عن التشبيه والنقائص، فجعل المعطلة جحد الصفات وتعطيل الصانع عنها توحيدا، وجعلوا إثباتها لله تشبيها وتجسيما وتركيبا، فسموا الباطل باسم الحق، ترغيبا فيه، وزخرفا ينفقونه به، وسموا الحق باسم الباطل تنفيرا عنه، والناس أكثرهم مع ظاهر السكة، ليس لهم نقد النقاد {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: ١٧] والمحمود لا يحمد على العدم والسكوت البتة، إلا إذا كانت سلب عيوب ونقائص، تتضمن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتية، وإلا فالسلب المحض لا حمد فيه، ولا
مدح ولا كمال.

وكذلك حمده لنفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه، وتعبيد كل شيء له، فاتخاذ الولد ينافي ذلك، كما قال تعالى {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض} [يونس: ٦٨] .

وحمد نفسه على عدم الشريك، المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية، وتوحده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره، فيكون شريكا له، فلو عدمها لكان كل موجود أكمل منه، لأن الموجود أكمل من المعدوم، ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلا إذا كان متضمنا لثبوت كمال، كما حمد نفسه بكونه لا يموت لتضمنه كمال حياته، وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم، لتضمن ذلك كمال قيوميته، وحمد نفسه بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، لكمال علمه وإحاطته، وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدا، لكمال عدله وإحسانه، وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار، لكمال عظمته، يرى ولا يدرك، كما أنه يعلم ولا يحاط به علما، فمجرد نفي الرؤية ليس بكمال؛ لأن العدم لا يرى، فليس في كون الشيء لا يرى كمال البتة، وإنما الكمال في كونه لا يحاط به رؤية ولا إدراكا، لعظمته في نفسه، وتعاليه عن إدراك المخلوق له، وكذلك حمد نفسه بعدم الغفلة والنسيان، لكمال علمه.
فكل سلب في القرآن حمد الله به نفسه فلمضادته لثبوت ضده، ولتضمنه كمال ثبوت ضده.
فعلمت أن حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاف الكمال، وأن نفيها نفي لحمده، ونفي الحمد مستلزم لثبوت ضده.