Aujourd'hui, Horaire de prière à (Angers)

vendredi 10 mai 2019


الحلقة [21] : الباب الثاني : كيف نتعامل مع القرآن حفظا وتلاوة واستماعا؟
الفصل الثاني : تلاوة القرآن وسماعه: (3) التدبر ولوازمه وآثاره

ومن أعظم آداب التلاوة الباطنة: التدبر لمعاني القرآن. ومعنى التدبر: النظر في أدبار الأمور، أي في عواقبها ومآلاتها، وهو قريب من التفكر، إلا أن التفكر: تصرف القلب أو العقل بالنظر في الدليل، والتدبر: تصرفه بالنظر في العواقب.

وقد بين لنا منزل القرآن سبحانه أنه لم ينزله إلا لتُتَدبر آياته، وتُتَفهَّم معانيه. يقول عز وجل يخاطب رسوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].

ويقول في معرض الحضِّ والتحريض: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].

وروى ابن عبد البر في (جامع العلم) عن علي رضي الله عنه: ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا في علمٍ ليس فيه تفهُّم، ولا في قراءةٍ ليس فيها تدبر!(1) 

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن أقرأ (إذا زلزلت) و(القارعة) أتدبرهما، أحبُّ إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيراً(2).

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه: لأن أقرأ القرآن في شهر أحبُّ إليَّ من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحبُّ إليَّ من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحبُّ إليَّ من أن أقرأه في سبع: أقف وأدعو(3).

وذلك أنَّ الأناة في القراءة تتيح الفرصة للتأمل والتدبر، وهو الغاية المنشودة من القراءة.

والقرآن– كما قال أديب العربية والإسلام مصطفى صادق الرافعي – كلام من النور، أو نور من الكلام. وهو كما وصفه منزِّله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1].

وهو – كما روي في الحديث - ((لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.. من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدِي إلى صراط مستقيم))(4).

والمتأمل في القرآن يجده زاخراً بجوامع الكلم، وجواهر الحكم، وكنوز المعارف، وحقائق الوجود، وأسرار الحياة، وعوالم الغيب، وذخائر القيم، وروائع الأحكام، وعجائب التوجيه، وغرائب الأمثال، وبينات الآيات، وسواطع البراهين، وبالغ النُّذر. ولذا قالوا: إن في القرآن علمَ الأولين والآخرين. وقال ابن عباس: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله!

وإنما تدرك هذه الأمور بطول التأمل والتدبر، لا بالخطف والاستعجال.

وإذا لم يتمكن القارئ من التدبر في الآية إلا بترديدها، فليرددها. وهذا ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والصالحون من سلف الأمة: يرددون بعض الآيات تدبراً وتأثراً.

فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا ليلة، فقام بآية يرددها، وهي:﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (5) [المائدة: 118].

وقام تميم الداري رضي الله عنه بآية يكررها حتى أصبح أو كاد، وهي قوله تعالى(6): ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].

وقد جاء نحو ذلك من ترديد الآيات عن ابن مسعود عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر رضي الله عنهم.

روى إبراهيم عن علقمة قال: صليتُ إلى جنب عبد الله (يعني: ابن مسعود) فافتتح سورة (طه) فلما بلغ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114] قال: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ . ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (7).

وعن عروة بن الزبير قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر (يعني أمه) وهي تصلي، تقرأ هذه الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 27]. فقمتُ: فلما طال عليَّ ذهبت إلى السوق، ثم رجعت، وهي مكانها، وهي تكرر الصلاة(8) (يعني الآية).

وروي نحو هذا عن عائشة(9).

وروي أن عامر بن عبد قيس قرأ ليلة سورة (المؤمن) – وهي المعروفة بسورة (غافر) – فلما انتهى إلى هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ (10)، لم يزل يرددها حتى أصبح(11).

وقد ورد نحوُ ذلك عن عدد من التابعين، مثل: سعيد بن جبير والربيع بن خُثيْم وغيرهما.

وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة، فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها، حتى يطلع الصبح.

وكان بعضهم يقول: كل آية لا أفهمها، ولا يكون قلبي فيها، لا أعدُّ لها ثوابًا.

وعن أبي سليمان الداراني قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال، وخمس ليال، ولولا أني أقطع الفكر فيها، ما جاوزتها إلى غيرها(12).

◘  الخشوع والبكاء عند تلاوة القرآن:

ومن آداب التلاوة: الخشوع والبكاء والحزن عندها، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]. فإن لم يجد له قلباً يخشع، ولا عيناً تدمع، ولا نفساً تحزن، فليتكلف ذلك وليحاوله ما استطاع، وهذا مطلوب عند تلاوة القرآن، وعند الاستماع له.

يقول تعالى:﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].

قال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ .. الآية.

قال ابن كثير: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حُمِّلوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد، بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمناً قليلاً، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، فعند ذلك قست قلوبهم، قلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد(13).

كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: 13].

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23].

ووصف الله ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بالخشوع والبكاء عند استماع القرآن. قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 106-109].

فهكذا كان تجاوبهم مع القرآن: خُرُورٌ لله وسجود، وذِكرٌ لله ودُعاءٌ، وبكاء وزيادة خشوع.

ومدح آخرين من النصارى عند سماعهم للقرآن، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: 83، 84].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النساء، وفيه: فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه(14).

وعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا))(15)، أي تكلفوا البكاء.

وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة (سبحان) – يعني آخر سورة الإسراء – فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه! (16)

وبكاء القلب: حزنه وخشيته.

قال الإمام الغزالي: وإنما طريق تكلف البكاء: أن يُحضر قلبه الحزن، فمن الحزن ينشأ البكاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا))(17). ووجه إحضار الحزن، أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والزجر، والمواثيق والعهود، ثم يتأمل القارئ تقصيره في أوامره وزواجره، فيحزن لذلك ويبكي، فإن لم يحضره حزن وبكاء – كما يحضر أصحاب القلوب الصافية – فليبك على فقد الحزن والبكاء، فإن ذلك أعظم المصائب!

◘  أعمال قلبية قبل التدبر:

وللإمام أبي حامد الغزالي في (الإحياء) كلام قوي فيما ينبغي مراعاته قبل (التدبر) من الأعمال الباطنة، وهي:

فهم أصل الكلام. ثم التعظيم. ثم حضور القلب. ثم التدبر.

فالأول: فهم عظمة الكلام وعلوه، وفضل الله سبحانه وتعالى، ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه. فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه؟ وكيف تجلَّت لهم تلك الصفة في طَيِّ حروف وأصوات، هي صفات البشر، إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله عز وجل إلا بوسيلة صفات نفسه. ولولا استتار كُنْهِ جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثرى، ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه، وسُبحات نوره. ولولا تثبيت الله عز وجل لموسى عليه السلام لما أطاق لسماع كلامه، كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حيث صار دكاً.

الثاني: التعظيم للمتكلم: فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، وأن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر، فإنه تعالى قال: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]. وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهراً، فباطن معناه أيضاً – بحكم عزه وجلاله – محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهراً عن كل رجس، ومستنيراً بنور التعظيم والتوقير. وكما لا يصلح للمس جلد المصحف كل يد، فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان، ولا لنيل معانيه كل قلب.

ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشي عليه ويقول: هو كلام ربي، هو كلام ربي! فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله. فإذا حضر بباله العرش والكرسي والسموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد، وأن الكل في قبضة قدرته، مترددون بين فضله ورحمته، وبين نقمته وسطوته. إن أنعم فبفضله، وإن عاقب فبعدله. وهذا غاية العظمة والتعالي: فبالتفكير في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام.

الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس: قيل في تفسير ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] أي بجد واجتهاد، وأخذه بالجد: أن يكون متجرداً له عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره. وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحب إلي من القرآن حتى أحدث به نفسي؟! وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية. وهذه الصفة تتولَّد عما قبلها من التعظيم، فإن المعظم للكلام الذي يقوله يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه. ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلاً له، فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره، وهو في متنزه ومتفرج؟ والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها(17).

◘  التخلِّي عن موانع الفهم:

وينبغي لمن يريد أن يتدبر القرآن ويتفهمه – بحق – أمرٌ آخر، وهو ما سماه الغزالي: (التخلي عن موانع الفهم)، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحُجُب أسدلها الشيطان على قلوبهم، فعُمِّيت عليهم عجائب أسرار القرآن.

وحجب الفهم أربعة: أولها: أن يكون الهم منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها. وهذا يتولى حفظه شيطان وُكِّل بالقرَّاء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف، يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه. فهذا يكون تأمله مقصوراً على مخارج الحروف، فأنَّى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعاً لمثل هذا التلبيس.

ثانيها: أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد، وجَمُد عليه، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع، من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة. فهذا شخص قيَّده معتقده عن أن يجاوزه، فلا يمكنه أن يخطُر بباله غير معتقده، فصار نظره موقوفاً على مسموعه، فإن لمع برق على بُعدٍ، وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه، حمل عليه شيطان التقليد حملة، وقال: كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك؟! فيرى أن ذلك غروراً من الشيطان، فيتباعد منه، ويحترز عن مثله. ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب! وأرادوا بالعلم: العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد، أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم. فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة، فكيف يكون حجاباً وهو منتهى المطلب(18).

وهذا التقليد قد يكون باطلاً، فيكون مانعاً، كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكن والاستقرار (أي كتمكن البشر)، فإن خطر له مثلاً في القدوس أنه المقدَّس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه. ولو استقر في نفسه لانجرَّ إلى كشف ثان وثالث… وتواصل. لكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده الباطل. وقد يكون حقاً، ويكون أيضاً مانعاً من الفهم والكشف، لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات، وله مبدأ ظاهر، وغور باطن، وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن.

ثالثها: أن يكون مصرِّاً على ذنب، أو متصفاً بكبر، أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وهو كالخبث على المرآة فيمنع جَلِيَّة الحق من أن يتجلى فيه، وهو أعظم حجاب للقلب، وبه حجب الأكثرون. وكلما كانت الشهوات أشد تراكماً، كانت معاني الكلام أشد احتجابا. وكلما خفَّ عن القلب أثقال الدنيا، قَرُب تجلي المعنى فيه. فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة. والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة. وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكر، فقال تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 8]. وقال عز وجل: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: 13]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19]. فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب، ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.

أقول: ومما يدل لما ذكره الإمام الغزالي هنا: قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146].

قال سفيان بن عيينة: سأنزع عنهم فهم القرآن(19).

رابعها: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأن من فسَّر القرآن في الباب الرابع، وأن ذلك لا يناقض قول علي رضي الله عنه: إلا أن يؤتِي الله عبداً فهماً في القرآن. وأنه لو كان المعنى هو الظاهر المنقول لما اختلف الناس فيه(20). 

◘  التخصيص:

ومن الآداب الباطنة للتلاوة: ما سماه الإمام الغزالي (التخصيص)(21) ، ومعناه: أن يقدر في نفسه أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فينتقل من التعميم إلى التخصيص، فإن قرأ أو سمع أمراً أو نهياً في القرآن، قدَّر أنه المأمور والمنهي أولاً وبالذات. وكذلك إن قرأ أو سمع وعداً بثواب، أو وعيداً بعقاب، قدر أنه المبشر بالوعد، أو المنذر بالوعيد. وإن قرأ أو سمع قصص الأولين والأنبياء وأقوامهم علم أن السَّمر أو تزجية الوقت بالأقاصيص غير مقصود، وإنما المقصود أن يعتبر بما قصه الله عليه، ويقتبس منه الدرس والعظة، ويأخذ من تضَاعِيفه ما يحتاج إليه. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111]. وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120].

فليقدر العبد أن الله ثبَّت فؤاده بما يقصه فيه من أحوال الأنبياء، وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين انتظار نصر الله تعالى. وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسول الله خاصة، بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين، ولذلك أمر الله تعالى الكافّة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 231]. وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10]. ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد: 3]. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 55]. ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 20]. ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138]. وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد. فهذا القارئ الواحد مقصود، فما له ولسائر الناس؟ فليقدر أنه المقصود. قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19].

قال محمد بن كعب القُرَظِي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله(22) .

وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله، بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه، ليتأمله ويعمل بمقتضاه.

ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهوده، نتدبرها في الصلوات، ونقف عليها في الخَلَوات، وننفذها في الطاعات والسنن المُتَّبعات.

وكان مالك بن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض(23).

وقال قتادة: لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان. قال الله تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82].

◘  التأثر:

ومن الآداب الباطنة للتلاوة فيما ذكره الغزالي(24) : التأثر، وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حال، ووجد يتصف به قلبه، من الحزن والخوف والرجاء وغيره. ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه، فإن التضييق غالب على آيات القرآن، فلا يرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقروناً بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله عز وجل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾ [طه: 82]. ثم أتبع ذلك بأربعة شروط: ﴿لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82]. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]، ذكَر أربعة شروط. وحيث اقتصر، ذكر شرطاً جامعاً فقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]، فالإحسان يجمع الكل. وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره.

وقال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئاً أرق للقلوب، ولا أشد استجلاباً للحزن، من قراءة القرآن وتفَهُمِه وتدبره.

فتأثر العبد بالتلاوة: أن يصير بصفة الآية المتلوة. فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت. وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح.

وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعاً لجلاله واستشعاراً لعظمته. وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله عز وجل – كذكرهم لله عز وجل ولداً وصاحبة – يغض صوته، وينكسر في باطنه، وترتعد فرائصه خوفاً منها. ولمَّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: ((اقرأ عليّ)) قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، رأيت عينيه تذرِفَان بالدمع. فقال لي: ((حسبك الآن)). وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية.

ولقد كان في الخائفين من خر مغشياً عليه عند آيات الوعيد، ومنهم من مات في سماع الآيات. فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكياً في كلامه. وإذا قال: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4]، ولم يكن حاله حال التوكل والإنابة كان حاكياً. وإذا قال: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ [إبراهيم: 12]، فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة. فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات، كان حظه من التلاوة حركة اللسان، مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18]. وفي قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3]. وفي قوله عز وجل: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1]. وفي قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: 29]. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].

إلى غير ذلك من الآيات. وكان داخلاً في معنى قوله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: 78]، يعني التلاوة المجردة، وقوله عز وجل:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]، لأن القرآن هو المبين لتلك الآيات في السموات والأرض، ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضاً عنها. ولذلك قيل: من لم يكن متصفاً بأخلاق القرآن ناداه الله تعالى: مالك وكلامي وأنت معرض عني؟ دع عنك كلامي إن لم تتب إليّ.

ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره: مثال من يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات، وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها، ومقتصر على دراسة كتابه: فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المَقْت، ولذلك قال يوسف بن أَسْبَاط: إني لأهم بقراءة القرآن، فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت، فأعدل إلى التسبيح والاستغفار.

والمعرض عن العمل به أريد بقوله عز وجل: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه))(25). قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. فالقرآن يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به، وإلا فالمئونة في تحريك اللسان بحروفه خفيفة، ولذلك قال بعض القراء: قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانياً فانتهرني وقال: جعلت القراءة عليّ عملاً! اذهب فاقرأ على الله عز وجل، فانظر بماذا يأمرك وبماذا ينهاك!

وبهذا كان شغل الصحابة رضي الله عنهم في الأحوال والأعمال.

◘  الترقي في تلاوة القرآن وتدبره:

وهنا درجة ذكرها الغزالي هي الترقي: وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله عز وجل لا من نفسه. فدرجات القراءة ثلاث:

أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله عز وجل واقفاً بين يديه، وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملق والتضرع والابتهال.

والثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله عز وجل يراه، ويخاطبه بألطافه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم.

الثالثة: أن يرى في الكلام المتكَلِّم، وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته، ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منْعَم عليه، بل يكون مقصور الهمِّ على المتكَلِّم، موقوف الفكر عليه، كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره. وهذه درجة المقربين، وما قبله درجة أصحاب اليمين، وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين.

وعن الدرجة العليا أخبر جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه قال: والله لقد تجلَّى الله عز وجل لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون.

وقال أيضاً وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خرَّ مغشياً عليه، فلما سري عنه قيل له في ذلك، فقال: ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكَلِّم بها، فلم يثبُت جسمي لمعاينة قدرته!

ففي مثل هذه الدرجة تعْظُم الحلاوة ولذة المناجاة. ولذلك قال بعض الحكماء:

كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة، حتى تلوته كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه على أصحابه، ثم رُفِعْت إلى مقام فوقه، كنت أَتْلُوه كأنِّي أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الله بمنزلة أخرى، فأنا الآن أسمعه من المتكَلِّم به، فعندها وجدت له لذة ونعيماً لا أصبر عنه. وقال عثمان وحذيفة رضي الله عنهما: لو طَهُرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن(26) . وإنما قالوا ذلك، لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام. ولذلك قال ثابت البناني: كابدت القرآن عشرين سنة، وتنعمت به عشرين سنة(27) .

قال الغزالي: وبمشاهدة المتكلم دون ما سواه، يكون العبد ممتثلاً لقوله عز وجل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]. ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الذاريات: 51]. فمن لم يره – سبحانه – في كل شيء فقد رأى غيره، وكل ما التفت إليه العبد سوى الله تعالى، تضمَّن التفاته شيئاً من الشرك الخفي. بل التوحيد الخالص ألا يرى في كل شيء إلا الله عز وجل(28). أ. هـ.

----------
هوامش :
(1) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1510).
(2) إحياء علوم الدين (1/ 277).
(3) رواه ابن أبي شيبة في الصلاة (8673).
(4) رواه الترمذي في فضائل القرآن (2906) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال، وضعفه الألباني في الضعيفة (6393)، عن علي بن أبي طالب.
(4) رواه أحمد (21388) وقال: إسناده حسن، والنسائي في الافتتاح (1010)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1350)، والحاكم في الصلاة (1/ 241) وصحح إسناده، ووافقه الذهبي.
(5) رواه ابن أبي شيبة في الصلاة (8456).
(6)عزاه ابن حجر في نتائج الأفكار (3/ 193)، لابن أبي داود، وصحح إسناده.
(7) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (2/ 55)، وثق رجال ابن حجر في نتائج الأفكار (3/ 193).
(8) رواه ابن الدنيا في الرقة والبكاء (98).
(9) تتمتها: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ الآية 18.
(10) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن صـ 147.
(11) ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب (1/ 92).
(12) انظر: تفسير ابن كثير (4/ 310) طبعة الحلبي.
(13) سبق تخريجه صـ .
(14) رواه ابن ماجه في إقامة الصلاة (1337)، وقال البوصيري في الزوائد (1/157) : في الزوائد في إسناده أبو رافع. اسمه إسماعيل بن رافع ضعيف متروك، وأبو يعلي (689)، ورواه البزار(1235) من طريق آخر،  وقال عقبه : فيه عبد الرحمن بن أبي بكر (أحد الرواه) هذا لين الحديث، وجود إسناد ابن ماجه العراقي في تخريج الإحياء صـ328 ، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (877).
(15)  قوت القلوب لأبي طالب المكي (1/ 87).
(16) رواه أبو يعلى في معجمه (112) قال : حدثنا إسماعيل بن سيف البصري، وكان ضعيفا، والطبراني في الأوسط (2902)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (6/196)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (11694) : فيه إسماعيل بن سيف وهو ضعيف، عن بريدة بن الحصيب .
(17) إحياء علوم الدين (1/ 280-282).
(18) نتمنى أن يكون ذلك هو مقصود الصوفية، ولكن وجدنا للأسف منهم من يعتبر العلم هو ما حدثه به قلبه، لا ما أوحى به ربه! وقال: حدثني قلبي عن ربي! وقال لرواة الأحاديث بالأسانيد: أنتم تأخذون علومكم ميتاً عن ميت، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت. ولكن العمدة هم الصوفية الملتزمون بالكتاب والسنة.
(19) رواه الطبري في التفسير (15122)
(20)   إحياء علوم الدين (1/285).
(21)  المصدر السابق نفسه.
(22)  رواه الطبري في التفسير (13120).
(23 )  أبو نعيم في حلية الأولياء (2/358).
( 24)  إحياء علوم الدين (1/285- 287).
(25 ) متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (5060)، ومسلم في العلم (2667)، عن جندب البجلي.
(26)  قوت القلوب (1/ 92).
(27)  المصدر السابق نفسه.
(28) إحياء علوم الدين (1/ 287، 288).
كيف_نتعامل_مع_القرآن_العظيم؟
يوسف_القرضاوي